ابن بسام

28

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وكان [ 1 ] لابن أبي عامر فتى يسمّى فاتنا أوحد لا نظير له في علم كلام العرب ، وكلّ ما يتعلق بالأدب ، فناظر صاعدا بين يديه ، فظهر عليه ، وبكّته حتى أسكته ، فازداد المنصور به عجبا ؛ وكان فاتن حسن الخطّ ، واسع المعرفة ، فصيح اللسان ، حاضر الجواب ، إلى عفاف طعمة ، ونزاهة نفس ، وجمال صورة . وكان ممن تباهي الملوك بخدمته ، وتستريح إلى حلمه . وتوفّي هذا الفتى فاتن سنة اثنتين وأربعمائة ، وبيعت في تركته قطعة دفاتر أدبيّة حسنة الضبط دلّت على جودة عنايته . وكان منقادا لما نزل به من المثلة ، فلم يتّخذ النساء ولا كشفن له عورة . وكان في ذلك الزمان بقرطبة جملة من الفتيان المجابيب ، ممن أخذ من الأدب بأوفر نصيب . ورأيت تأليفا لرجل منهم يدعى بحبيب مترجما ب « كتاب الاستظهار والمغالبة على من أنكر فضائل الصقالبة » وذكر فيه جملة من أشعارهم ونوادر أخبارهم . منهم عمارة الصّقلبي الفتى الكبير ، والصّقلبي ميسور ، ونجم الوصيف ، وغيرهم ممن يشتمل عليه ذلك التصنيف ، وشعرهم خارج من شرطنا ، وليس من جمعنا . ومن [ 2 ] عجائب الدنيا الغريبة الوقوع ، العجيبة المسموع ، أن صاعدا أهدى إلى المنصور يوما إيّلا وكتب معه بأبيات يقول فيها : يا حرز كلّ مخوّف وأمان كلّ * مشرّد ومعزّ كلّ مذلّل عبد جذبت بضبعه ورفعت من * مقداره [ 3 ] أهدى إليك بأيّل سمّيته غرسيّة وبعثته * في حبله ليتاح فيه تفاؤلي فقضي في سابق علم اللّه تعالى وقدره أنّ غرسية بن شانجه من ملوك الرّوم ، وهو أمنع من النّجوم ، أسر في ذلك اليوم بعينه الذي بعث فيه صاعد بالإيّل وسمّاه غرسية على التفاؤل بأسره . وكان أسره في ربيع الأوّل [ 4 ] سنة خمس وثمانين وثلاثمائة . وهكذا يكون الجدّ للصاحب والمصحوب .

--> [ 1 ] نفح الطيب 3 : 82 . [ 2 ] الجذوة : 226 ، والنفح 3 : 82 ، والأبيات أيضا في إنباه الرواة 2 : 88 ، والمعجب : 82 ، والريحان والريعان 1 : 154 ب . [ 3 ] المعجب والجذوة : نشلت بضبعه وغرسته في نعمة . [ 4 ] الجذوة : ربيع الآخر .